الأرشيف لـالمحاسبة الحكوميه

مداخل تطوير نظم المعلومات المحاسبيه في القطاع الحكومي والمحاسبة الحكوميه

 

هناك طرق وأساليب كثيره من الممكن تطوير النظام الحكومي بها من

    • إدخال بعض التعديلات على طريقة إدارة تلك الوحدات أو من خلال

    • تغيير في الشكل أو الهيكل التنظيمي والإداري لتك الوحدات أو

    • بإسناد الإدارة لاحد مؤسسات القطاع الخاص وهناك

    • التطوير الجوهري في تغيير المفهوم ذاته بأن

    • يتجه القطاع الحكومي ليس لدعم النشاطات الخاسره وإنما إلى بيعها و

    • تطوير الوحدات الناجحه للتأثير في إستمرارها

    • الأبقاء فقط على مزايا هذا النظام والعمل على القضاء على عيوبه

مداخل تطوير نظام المحاسبة الحكوميه

    • المدخل السياسي و التشريعي

      • ويكون ذلك من خلال

        • سن قوانين تحكم العمل الحكومي ومعاقبة المخالفين للنظم واللوائح

        • القضاء على الروتين والإجراءات البيروقراطيه

        • تسهيل الإجراءات والبعد عن الروتين

        • بيع الشركات الخاسره وتصفيته

        • المحاسبة الإجتماعيه والإهتمام بالمجتمع لموازنه دور الحكومه ودور القطاع الخاص

        • سن التشريعات والقوانين التى تنظم العلاقه فيما بين القطاع الحكومي والأطراف المختلفه

        • تفعيل قوانين تجريم الفساد الإداري والرشوه

    • المدخل الإداري والتنظيمي

    • ويكون ذلك من خلال

      • إعاده هيكله للقطاع الحكومي والقطاع العام

      • القضاء على المركزيه في إتخاذ القرار

      • الإداره بالأهداف

      • وضع معايير للأداء داخل الوحدات الحكوميه

      • وضع الخطط ومتابعه التنفيد

      • التوجية السليم

      • وضع الإستراتيجيات والخطط طويلة الأجل

      • الإدارة بالإستثناء وإستبعاد النظريات المتخلفه في الإداره

      • تفعيل دور الرقابة الإدارية

      • التقييم الفعال والتحفيز

      • تنميه مهارات القاده والإداريين بالقطاع الحكومي

      • إعداد القاده وتدريب الكوادر إستعداداً لتوليهم المناصب الجديده

      • مدخل الترقيات والحوافز

      • التقييم على أساس الإنجاز وليس على أساس الوقت المنقضي

      • اعادة الهيكله للسلم الإداري والوظيفي وإلغاء فكره التدرج الهرمي في إتخاذ القرارات

      • تفعيل دور الحكم الشخصي للموظفين دون الرجوع لرؤساء مجلس الإداره في حل كل المشكلات سواء الإدارية أو التشغيليه

    • المدخل الفني والمحاسبي

      • ويكون ذلك من خلال

        • تنمية مهارات محاسبين القطاع الحكومي

        • طبع النشرات والدوريات والمجلات

        • إعداد المحاسب وإمداده بأهم التطورات في مهنه المحاسبه

        • محاسبة المسؤوليه

        • التخلي عن بعض السياسات المحاسبية التي تحقق خسائر باهظه

        • وضع الموازانات التقديريه

        • التركيز على التعليم المستمر للمحاسبين داخل القطاع الحكومي

        • إمداد الوحدات المحاسبية بأحدث النظم المحاسبيه

        • إدخال التقنيات الجديده وحوسبه النظم المحاسبيه بالقطاع الحكومي

        • التركيز على دور وأهميه نظم المعلومات المحاسبيه

        • التأكد من مدى الإلتزام بالمعايير المحاسبية سواء المحليه أو الدوليه

        • التأكد من مدى الإلتزام بنظام المراقبة الداخليه

        • متابعة التطورات في المهنه

        • إعدادات الندوات والدورات التعليميه لموظفي القطاع العام والحكومي

2 تعليقاً

القطاع العام في فلسطين والمؤسسات العامه

تقرير حول

الواقع القانوني للمؤسسات العامة في فلسطين

والحاجة إلى الإصلاح

إعداد الباحث الأستاذ: بلال البرغوثي

مساعدة باحث: وفاء حمايل

إشراف: د. عزمي الشعيبي-المفوض العام لشؤون مكافحة الفساد- أمان

تشرين ثاني 2007

 

تقرير حول

الواقع القانوني للمؤسسات العامة في فلسطين

والحاجة إلى الإصلاح

في ظل تنامي أهمية المؤسسات العامة وبروز دورها في إدارة شؤون المجتمع كأحد الوسائل الأكثر تطوراً ومرونةً وقرباً إلى ديمقراطية الإدارة، وبالنظر إلى اعتماد السلطة الوطنية الفلسطينية لهذا الأسلوب، وإنشائها الكثير من المؤسسات العامة، ولما رافق هذا الأسلوب من تخبّط وانحراف عن الغاية والأصول التي يجب أن تستند إليها تلك المؤسسات، في ظل غياب مرجعيّة قانونيّة واضحة، وفهم خاطئ لمفهوم استقلالية المؤسسات العامة بشكل أعاق عملية الرقابة والتقييم والمساءلة، وأسهم في أحيانٍ كثيرة في سوء الإدارة، وتفشّي ظاهرة الفساد في تلك المؤسسات.

وحرصاً على حُسن أداء القطاع العام، ومحاربة ظاهرة الفساد فيه، وانطلاقاً من دور مؤسسة أمان (الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة) في تعزيز النزاهة والشفافية في القطاع العام، فقد عُمد إلى كتابة هذا التقرير في محاولة لتحليل واقع المؤسسات العامة، والإشكالات التي تحول دون أدائها عملها على النحو المطلوب وذلك بهدف الوصول إلى الحلول المناسبة بشأنها.

وعلى ذلك، فقد قُسم هذا التقرير إلى فرعين: خُصّص الأول منهما للحديث عن الواقع القانوني للمؤسسات العامة، وبيّن الثاني الإشكالات التي تواجه عملها. وفي الخاتمة قُدّمت توصيات بهدف الوصول إلى حلول تذلّل العقبات التي تواجه عمل تلك المؤسسات.

 

الفرع الأول

الواقع القانوني للمؤسسات العامة

أولاً: المفهوم القانوني للمؤسسة العامة:

تعرف المؤسسة العامة بأنها: مرفق إداري مُنحَ الشخصية المعنوية، ليتوفّر له بعض الاستقلال المالي والإداري، بما يكفل له ممارسة مهامه، والغاية التي وُجد لأجلها على النحو المطلوب.

ووفقاً لهذا التعريف، فلا بُدّ من توافر مجموعة من الأركان الرئيسة في المؤسسة، حتى يتسنّى اعتبارها مؤسسة عامة، وتتلخص هذه الأركان بما يلي:

  • 1. إدارة مرفق عام، فالمؤسسة العامة طريقة من طرق إدارة المرفق العام، وترتبط معه وجوداً وعدماً. وأسلوب المؤسسة العامة ليس هدفاً بحدّ ذاته، وإنما هو مجرد وسيلة لتحقيق غاية معيّنة، ألا وهي تحرير المرفق العام من الروتين الحكومي، حين يتبيّن أنّ إدارة مرفق معيّن، ستكون أفضل فيما لو فُصل نشاط هذا المرفق، ومُنح قدراً معيّناً من الاستقلال القانوني والمالي والإداري.

  • 2. التمتع بالشخصيّة الاعتباريّة (المعنوية)، فهي ركنٌ أساسٌ وجوهري، لقيام المؤسسة العامة، ولا يمكن للمرفق العام أن يكسب صفة المؤسسة إلا إذا تمتّع بشخصيّة معنويّة مستقلّة، لهذا تحرص القوانين عادةً على النصّ صراحةً، على تمتّع المؤسسات العامة بهذه الشخصية.

  • 3. التخصّص، فالمؤسسة العامة تتولّى إدارة نشاطٍ معيّنٍ ومحدّد، أو عدّة أنشطةٍ متقاربة ومتكاملة، وتحدّد قوانين المؤسسات العامة تخصّص هذه المؤسسات، أي أنّها تبيّن المهام والمسؤوليات التي تناط بالمؤسسة للقيام بها، وتُظهر أداءها للجمهور. ويترتب على خضوع المؤسسة العامة لمبدأ التخصص، العديد من النتائج القانونية، من أهمّها: عدم مشروعيّة الخروج على نشاط المؤسسة العامة تحت طائلة البطلان، وعدم جواز قبول التبرّعات والهبات والوصايا، إذا كانت تتعارض مع تخصّص المؤسسة.

وفيما يتعلّق بتعريف النظام القانوني الفلسطيني للمؤسسة العامة، فقد اتّسم المفهوم القانوني لفكرة المؤسسة العامّة بضبابيّة وغموض، أنتجه عدم ورود تعريفٍ محدّد وموحّد للمؤسسة العامة في التشريعات الفلسطينية، فعلى سبيل المثال، عرّفت المادة (1) من قانون سلطة النقد رقم (2) (لسنة 1997 المؤسسة العامة بأنها: “كل سلطةٍ أو هيئةٍ أو أي جهة عامة أخرى في فلسطين تتمتّع بالشخصيّة الاعتبارية”. بينما نجد أن المادة (1) من قانون رقم (5) لسنة 1998 بشأن اللوازم العامة، أدخلت المؤسسة العامة ضمن مفهوم الدائرة الحكومية. أما قانون الموازنة العامة والشؤون المالية رقم (7) لسنة 1998، فقد ميّز في التعريف بين المؤسسات العامة تأسيساً على دخول موازنتها ضمن الموازنة العامة من عدمه، فأطلق على المؤسسات العامة التي تدخل موازنتها ضمن الموازنة العامة اسم “المؤسسة العامة” وعرّفها على أنها “أيّ سلطةٍ أو هيئةٍ أو مؤسسةٍ عامّة في فلسطين، تتمتّع بالشخصيّة الاعتباريّة وتدخل موازنتها ضمن الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية”. وقد أدخلت المادة الأولى من قانون الخدمة المدنية رقم 4 لسنة 1998 تعريف المؤسسة العامة ضمن الدائرة الحكومية عندما عرفت الأخيرة بأنها: “الدائرة الحكومية: أية وزارة أو إدارة أو مؤسسة عامة أو سلطة أو أية جهة أخرى تكون موازنتها ضمن الموازنة العامة للسلطة الوطنية الفلسطينية أو ملحقة بها”.

ثانياً: الوضع القانوني للمؤسسات العامة في فلسطين:

بالنظر إلى خصوصية الوضع القانوني الفلسطيني الذي مرّ بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية بثلاث مراحل، بدءاً من سيطرة رئيس السلطة على الصلاحيات التشريعيّة والتنفيذيّة برمّتها، مروراً بإنشاء المجلس التشريعي، الذي انتقلت إليه الصلاحيات التشريعية المتمثلة في إقرار القوانين العادية، انتهاءً بصدور القانون الأساسي وتعديلاته، التي نقلت الكثير من الصلاحيات والاختصاصات الممنوحة لرئيس السلطة الوطنية إلى مجلس الوزراء، فقد تأثّرت المؤسسات العامة في مناطق السلطة الفلسطينية بالمراحل المذكورة آنفاً، من حيث: النشأة والتبعيّة والتنظيم، وفقاً لما يلي:

  • مؤسسات عامة، نشأت بموجب مراسيم وقرارات رئاسية، كما هو الحال في سلطة جودة البيئة وسلطة الأراضي.

  • مؤسسات عامة، نشأت بحكم الواقع ودون أي سند قانوني لها، كما هو الحال في الهيئة العامة للبترول.

  • مؤسسات عامة، نشأت بموجب قوانين مقرّة من المجلس التشريعي، كما هو الحال في مؤسسة المواصفات والمقاييس وصندوق النفقة.

  • مؤسسات عامة، نشأت بموجب قرارات ولوائح وأنظمة صادرة عن مجلس الوزراء، كما هو الحال في هيئة الحج والعمرة.

ومن جانب آخر، وفيما يتعلّق بأنواع المؤسسات العامة وفقاً للقانون الأساسي المعدّل، فإنّ هناك ثلاثة أنواع، هي: مؤسسات تتبع السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء)، ومؤسسات تتبع نظاماً خاصاً رسمه لها القانون الأساسي، كما هو الحال في ديوان الرقابة المالية والإدارية وسلطة النقد، ومؤسسات دولة، كما هو الحال في مجلس القضاء الأعلى والمجلس التشريعي الفلسطيني. ونبيّن فيما يلي الإطار الدستوري الناظم لكلّ نوع منها:

1. الإطار الدستوري الناظم للمؤسسات العامة التابعة للسلطة التنفيذية (مجلس الوزراء):

ينعقد الاختصاص لمجلس الوزراء في الإشراف والرقابة على أعمال المؤسسات العامة التابعة للحكومة، سواء أُلحقت هذه المؤسسات بمجلس الوزراء مباشرة، أو أُلحقت بالوزير الأقرب لطبيعة عمل المؤسسة.  وبموجب المادة (69) ينعقد الاختصاص لمجلس الوزراء في:

  • إعداد الجهاز الإداري، ووضع هياكله، وتزويده بجميع الوسائل والإمكانيات اللازمة، والإشراف عليه ومتابعته.

  • تحديد اختصاص الهيئات والسلطات والمؤسسات التابعة للجهاز التنفيذي كافة، وما في حكمها.

  • إنشاء وإلغاء الهيئات والمؤسسات والسلطات، وما في حكمها من وحدات الجهاز الإداري التي يشملها الجهاز التنفيذي التابع للحكومة.

  • تعيين رؤساء هذه الهيئات والإشراف عليها؛ شريطة أن يُنظّمَ عملُ كلٍّ من هذه المؤسسات بقانون.

ولا بدّ من الإشارة هنا، وفيما يتعلّق بالسؤال حول ماهيّة المعيار الذي تتحدّد على ضوئه المؤسسات التي تتبع الجهاز التنفيذي، فإن الإجابة على هذا السؤال تكمن في المادة 63 والتي وُضعت الإطار العام لعمل مجلس الوزراء، حيث نصّت على ما يلي: “مجلس الوزراء (الحكومة) هو الأداة التنفيذيّة والإداريّة العليا التي تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقرّه السلطة التشريعية موضع التنفيذ، وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء.”[1]

وفي ضوء هذه المادة والمادتين (68 و69) من القانون الأساسي المشار إليهما أعلاه؛ فالأصل أن تكون تبعيّة المؤسسات العامة لمجلس الوزراء، إما من خلال إلحاقها بمجلس الوزراء مباشرة أو بوزير الوزارة الأقرب لطبيعة عملها، باستثناء ما ورد بشأنه نص خاص في القانون الأساسي فتكون التبعية وفقاً لما تم تحديده بنص المادة.[2] 

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى قيام الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، وضمن إطار عمل اللجنة المعنيّة بدراسة وإصلاح وضع المؤسسات الحكومية غير الوزارية؛ بإصدار مجموعة من القرارات تضمنت[3]:

  • ضمّ بعض المؤسسات إلى الوزير أو الوزارة الأقرب لطبيعة عملها، مع بقاء الشخصية المعنوية لتلك المؤسسات.

  • دمج بعض المؤسسات بالوزارات الأقرب لطبيعة عملها، بحيث أصبحت جزءاً من الهيكل التنظيمي للوزارة وبالتالي فقدت وصفها باعتبارها مؤسسة عامة.

  • إلغاء بعض المؤسسات.

  • إنشاء مؤسسات أخرى.

وفي السياق ذاته، وسعياً لتوحيد آلية إدارة وتنظيم عمل هذه المؤسسات، فقد أصدر مجلس الوزراء القرار رقم (4/19/09) الصادر بتاريخ 28/6/2005، متضمّناً ضرورة إنشاء مجلس أمناء/ إدارة لكل مؤسسة حكومية غير وزارية، مع تعيين مدير أو رئيس لكل مؤسسة، بحيث يكون مسؤولاً ومُساءلاً عن أعمال هذه المؤسسة أمام رئيس الوزراء أو وزير الوزارة المعنية[4].

2. الإطار الدستوري الناظم لبعض المؤسسات العامة بموجب نصوص خاصة:

تطرّق القانون الأساسي لبعض المؤسسات العامة من خلال نصوص خاصة وفقاً للتفصيلات التالية:

  • تضمّنت المادة (93)، تنظيم سلطة النقد والمصارف وسوق الأوراق المالية وشركات الصرافة والتأمين وسائر المؤسسات المالية من خلال قانون، وقد تضمّنت الفقرة الثانية من هذه المادة، على تعيين محافظ سلطة النقد بقرار من الرئيس والمصادقة على تعيينه من قبل المجلس التشريعي. ويتّضح من المادة (93)، أن تبعيّة سلطة النقد هي لرئيس السلطة الوطنية.

  • تضمنت المادة 96 على إنشاء ديوان الرقابة المالية والإدارية بموجب قانون، بحيث يتم تعيين رئيس الديوان بموجب قرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بحيث يقدم رئيس الديوان تقريراً سنوياً أو عند الطلب عن أعماله وملاحظاته لكل من رئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي.

  • تضمّنت المادة (31) على إنشاء هيئة مستقلة لحقوق الإنسان بموجب قانون، بحيث يحدّد القانون تشكيلها ومهامّها واختصاصاتها، على أن تقدّم تقاريرها لكلٍّ من: رئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي الفلسطيني.

وفي ضوء الإطار الدستوري العام والخاص الوارد أعلاه؛ فالأصل أن تكون صلاحية إنشاء الهيئات والمؤسسات العامة وإلغائها وتعيين رؤسائها، وبالتالي تبعيّة هذه المؤسسات وصلاحية الإشراف والرقابة عليها، لمجلس الوزراء، باستثناء ما ورد بشأنه نصّ خاص في القانون الأساسي. وفي ضوء كون عدد كبير من المؤسسات العامة قد نشأت قبل صدور القانون الأساسي المعدّل، فلا بد من مراجعة القوانين الناظمة لعمل هذه المؤسسات، حتى تنسجم مع مضمون القانون الأساسي وروحه، بحيث لا تقع في دائرة التعارض مع أحكام النصوص المشار إليها أعلاه. إضافة إلى ضرورة مراجعة مجموعة من القوانين التي صدرت بعد تعديل القانون الأساسي، لتنسجم ومضمون القواعد الدستورية الواردة فيه.[5]

3. الإطارُ الدستوري الناظمُ لبعضٍ من المؤسسات التي تُعرف بكونها مؤسسات دولة، والتي تمثّل سلطات مستقلّة:

تطرّقت المادة (100) من القانون الأساسي إلى إنشاء مجلس أعلى للقضاء، بحيث يبيّن القانون طريقة تشكيله واختصاصه وقواعد سير العمل فيه، ويُؤخذ رأيه في مشروعات القوانين التي تنظّم أيّ شأن من شؤون السلطة القضائية بما في ذلك النيابة العامة، كما ونصّت المادة (10 8) من القانون الأساسي على تشكيل النيابة العامة واختصاصاتها بموجب قانون، في حين تناول الباب الرابع من القانون الأساسي، السلطة التشريعية، حيث تناولت المادة (47) منه، تشكيل المجلس التشريعي. وعلى الرغم من كون السلطتين التشريعية والقضائية سلطتين مستقلّتين، وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية[6]؛ إلا أنّ ذلك لا يمنع من ضرورة التأكيد على وجوب تنظيم عمل هذه المؤسسات بموجب تشريعات (قوانين ولوائح تنظيميّة وقرارات) توضح مراكز المسؤولية والمساءلة، وذلك إعمالاً للمبدأ الدستوري الوارد في المادة السادسة من القانون الأساسي والتي تنصّ على ما يلي: “مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص”. 

 

الفرع الثاني

المعوقات التي تواجه عمل المؤسسات العامة

أنشأت السلطة الفلسطينية منذ قيامها عشرات المؤسسات العامة، ولم تتّبع أسلوباً واحداً في إنشائها، فبعضها نشأ بالاستناد إلى قوانين خاصة بها، وبعضها الآخر نشأ بموجب أعمال قانونية أخرى (مراسيم رئاسية أو قرارات).

وأمام التنوّع الذي خلق تضارباً وتناقضاً واضحين فيما يتعلّق بالمرجعيّة القانونية للمؤسسات العامّة، وما ترتّب عليها من آثار، فقد فقدت بعض المؤسسات العامة الشروط والسّمات التي تتّصف بها المؤسسات العامة النموذجية. وعلى الرغم من المزايا التي تحقّقها إدارة المرفق العام، من خلال المؤسسات العامّة كالتحرّر من القيود والتعقيدات الإدارية الحكومية، واتخاذ أساليب إدارية توافق طبيعة النشاط الذي يقوم به المرفق، وكذلك للتخفيف من العبء الواقع على كاهل الإدارة العامة الحكومية، ومع ذلك فقد ينتج عن إنشاء المؤسسات العامة مساوئ معينة، ترجع في الغالب إلى إساءة استعمال الاستقلال الذي تتمتّع به، وضعف الرقابة المفروضة عليها، أو تنتج عن عدم التنسيق بين الأنواع المختلفة لهذه الأشخاص مع كثرة إنشائها بدون دراسة دقيقة ومعمقة لمدى الحاجة إليها. ويمكننا إجمال الإشكالات التي تواجه المؤسسات العامة بما يلي:

أولاً: غياب المرجعيّة القانونيّة الواضحة:

ويتمثّل ذلك بالآتي:

  • 1. تعارض المرجعية القانونيّة للكثير من المؤسسات العامة مع القانون الأساسي، حيث نجد أن غالبية المؤسسات العامة القائمة تتعارض من حيث النشأة والتبعيّة والتنظيم مع المادة (69) من القانون الأساسي، والتي وكما بيّنا سابقاً، تجعل من تبعيّة المؤسسات العامة غير الوزارية إلى مجلس الوزراء، بينما تتبع الكثير من المؤسسات العامة حالياً إلى رئيس السلطة الوطنية، دون أن يُنصّ على ذلك في القانون الأساسي. ومن جانب آخر فإنّ بعض المؤسسات العامة غير الوزارية تنظّم بموجب تشريعات ثانوية (مراسيم رئاسية أو لوائح أو أنظمة أو قرارات حكومية) على الرغم من أن نصّ القانون الأساسي جاء واضحاً في هذا الخصوص عندما نصّت مادته 69/9 على أن تنظم المؤسسات العامة بموجب قانون، وليس تشريعاً من درجة أخرى[7].

  • 2. انعدام المرجعية القانونية لبعض المؤسسات العامة، حيث نجد أن هنالك عدداً من المؤسسات العامة التي لم ينشر القرار المتعلّق بإنشائها، على الرغم من أنه خُصّصت لها موازنات مستقلّة في الموازنة العامة للسلطة الوطنية الفلسطينية[8]. كما أن هنالك مؤسسات أُنشئت بقرار رئاسي لم يتضمّن أية أحكام متعلّقة بتنظيم هذه المؤسسات.

  • 3. عدم وضوح المرجعيّة القانونيّة والإداريّة بالنسبة للكادر البشري العامل في المؤسسات العامة، حيث لا توجد معايير واضحة بالنسبة لتبعية موظفي تلك المؤسسات، فالبعض يتبع إلى الوظيفة العامّة، فينطبق على الموظفين فيها قانون الخدمة المدنيّة، والبعض الآخر يتبع القطاع الخاص، فينطبق على الموظفين فيها قانون العمل أو أنظمة خاصّة، والبعض الآخر يتبع نظاماً مشتركاً، فقسم من الموظفين يتبع الخدمة المدنية، والآخر يتبع القطاع الخاص.

ويندرج ضمن هذه الإشكالية، مسألة تعيين رؤساء تلك المؤسسات وموظفي الفئات العليا فيها، والذي غالباً ما يكون بموجب مراسيم رئاسية تستند إلى قانون الخدمة المدنيّة الفلسطيني، إلاّ أنها تخالف القانون الأساسي الذي يجعل، بموجب المادة 69/9 منه، تعيين هذه الفئة من الموظفين اختصاصاً لمجلس الوزراء وليس لرئيس السلطة.

ثانياً: غياب الفهم الصحيح لمفهوم الاستقلال المالي والإداري:

إن من أهم العوامل التي أثّرت سلباً على حُسن أداء المؤسسات العامة، هو الفهم الخاطئ للاستقلال المالي والإداري من حيث مداه ومضمونه، حيث فهم الكثير من هذه المؤسسات أن معنى الاستقلال هو التفرد المطلق في سلطة إدارة هذه المؤسسة دون أي رقيب أو معقب، وأن مفهوم الاستقلال المالي والإداري ومفهوم الرقابة، هما مفهومان متناقضان متعارضان ينفي أحدهما الآخر، وممّا عزّز من هذا الفهم الخاطئ، أنه امتدّ ليشمل الجهات التي يفترض بها أن تمارس دوراً رقابياً على عمل تلك المؤسسات، ومن جانب آخر، فإنّ الخلل الذي أوضحناه سابقاً فيما يتعلّق بالمرجعيّة القانونيّة خصوصاً لجهة تبعيّة تلك المؤسسات إلى رئاسة السلطة الوطنية، والتي تخرج وفقاً للنظام القانوني والسياسي الفلسطيني عن رقابة المجلس التشريعي الفلسطيني ورقابة الأجهزة الحكومية، أمّن غطاءً لتلك المؤسسات تحتجب وراءه من أية رقابة تُمارس عليها بدعوى أنها تقيّد من استقلالها.

ولتوضيح المعنى السليم لمفهوم الاستقلال المالي والإداري الذي يجب أن تتمتّع به المؤسسات العامّة لا بدّ من الموازنة بينه وبين مفهوم الرقابة وتحديد مداهما وتأثير كلّ منهما على الآخر، ولذلك يتوجّب علينا في البداية التعريف بالاستقلال المالي والإداري ومن ثمّ التعرّض لمفهوم الرقابة وخصوصيته في الأنظمة اللامركزية التي تقوم عليها فكرة المؤسسة العامة.

1. المفهوم القانوني للاستقلال المالي والإداري:

ترتبط فكرة الاستقلال بفكرة اللامركزية المرفقية، حيث يجد المُشرّع في أحيان كثيرة أنه من الضروري أن يمنح بعض المشاريع والمرافق والمصالح العامة الشخصية المعنوية، وقدراً من الاستقلال عن الإدارة المركزية مع خضوعها لإشرافها، لذا يعكس منح الاستقلال للمؤسسات العامة، الرغبة في إنشاء منظمة إدارية قادرة على إنتاج وتقديم خدمة تنطوي على نفع عام بشكل مستقل ومتكامل، وبعيداً عن الروتين الحكومي.

وتمارس اللامركزية المرفقية نشاطاً واحداً أو أنشطة متجانسة، كما هو الحال في الهيئات والمؤسسات العامة، على عكس اللامركزية المحليّة التي تدير العديد من المرافق أو الأنشطة غير المتجانسة. ولا يستند هذا الأسلوب على فكرة الديمقراطية، إنما هي فكرة فنّية تتّصل بكفاءة وحسن إدارة المرفق العام.

ونشير هنا إلى أن مفهوم الاستقلال يجب أن يكون نسبياً، بحيث تختلف هذه الاستقلالية من مؤسسة إلى مؤسسة أخرى، وفقاً للغاية والهدف من إنشاء هذه المؤسسة، ومدى العلاقة ما بين عملها وضرورة ممارسته باستقلال، فمثلاً لا يجوز أن تكون الاستقلالية التي تتمتّع بها لجنة الانتخابات المركزية مماثلة للاستقلالية التي يجب أن تتمتّع بها سلطة الأراضي أو مؤسسة المواصفات والمقاييس، كون أن استقلاليّة لجنة الانتخابات المركزيّة أمر مطلوب وملحّ، لضمان نزاهة أدائها وحياديّته، بينما لا يكون هذا الاستقلال مطلوباً بالنسبة لسلطة الأراضي إلا بالقدر الذي يضمن لها المهنية والمرونة في عملها.

ولا يعني الاستقلال المالي والإداري، الخروج عن القوانين والأنظمة واللوائح المالية والإدارية العامة الناظمة لعمل المؤسسات العامة بشكل عام، بل على العكس، فالمقصود بالاستقلال هو الحصول على المرونة الكافية في تنفيذ مهام وواجبات تلك المؤسسات في ضوء هذه القوانين[9]. وإذا ما أردنا أن نحدد المقصود بالاستقلالية المذكورة فيمكننا أن نحددها بالآتي[10]:

  • القيام بالتعاقد وإجراء كافة التصرفات والأعمال التي من شأنها تحقيق الغرض الذي أُنشئت المؤسسة لأجله.

  • وضع اللوائح الداخلية اللازمة لتنظيم عملها والمتضمنة للقواعد الواجب اتباعها في إدارتها وحساباتها وإدارة أموالها، على أن يكون ذلك في إطار القانون ووفقاً للقرار الذي نشأت المؤسسة بموجبه.

  • يكون للمؤسسة العامّة ميزانيتها الخاصة، ويحدد السند القانوني الذي نشأت بموجبه القواعد التي تحكم هذه الموازنة.

  • تعتبر أموال المؤسسة العامة أموالاً عامّة تجري عليها القواعد والأحكام المتعلّقة بالأموال العامّة، ما لم يُنصّ على خلاف ذلك في القرارات الصادرة بإنشاء هذه المؤسسات.

  • تسري على موظفي وعمال المؤسسات العامة أحكام القوانين المتعلقة بالوظائف العامة فيما لم يرد بشأنه نصّ خاصّ في القرار الصادر بإنشاء المؤسسة.

فالاستقلال القانوني للمؤسسات العامة يعني أهليّة التعاقد والتصرّف، واكتساب الحقوق، وتحمّل الالتزامات، ووجود نائب يعبّر عن إرادتها ويتمتّع بحق التقاضي واتخاذ القرارات دون الحاجة إلى المصادقة عليها من جهة رئاسية أعلى.

والاستقلال المالي، يعني أن يكون للمؤسسة مواردها المالية الذاتيّة بحيث تكفي لتمويل نفقاتها، ويتحقّق ذلك بوجود موازنة خاصّة تتضمّن جانبيّ الإيرادات والنفقات المعدّة وفقاً للقواعد المحاسبية العامة، ولا بدّ من الإشارة إلى أن مقتضيات الاستقلال المالي، تستوجب أن تعمل المؤسسة العامة على تحقيق التوازن المالي في موازنتها المالية. فالمؤسسات العامّة التي تعجز عن تحقيق هذا التوازن المالي، تضطّر لطلب المعونات الحكومية لتغطية عجزها ممّا يهدّد استقلال هذه المؤسسات[11].

والاستقلال الإداري، يعني أن تستقلّ المؤسسة العامة بإدارة شؤونها الداخلية، سواء فيما يتعلّق بأنظمة العمل الداخلية أو فيما يتعلّق بشؤون الموظفين لديها، خصوصاً عندما يتبع هؤلاء الموظفون إلى نظام خاص بهم.

2. الرقابة على المؤسسات العامة وتأثيرها على مفهوم الاستقلال المالي والإداري:

إن منح المؤسسات العامة الاستقلال المالي والإداري، لا يعني أنها ممالك مستقلّة مُحصّنة من الرقابة عليها، حيث تخضع هذه المؤسسات بشكل عام إلى الأنظمة والقوانين العامة المتعلّقة بالرقابة والإشراف على حُسن أداء الدولة بأجهزتها المركزيّة واللامركزيّة، وتجدر الإشارة والتركيز في هذا المقام، على نقطة في غاية الأهمية، وهي أن سوء فهم مصطلح “الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات العامة” قلب موازينه ليتحوّل إلى مرتع خصب للاعتداء على المال العام وممارسة الفساد، حيث أخذت الاستقلالية تنحو منحىً خطراً، أدت إلى منزلقات كثيرة لنهب المال العام ومخالفة القوانين، الأمر الذي أدّى إلى استشراء الفساد وغياب الرقابة الفاعلة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

وقد أجمع الفقهاء على أن الرّقابة التي تُمارس على المؤسسات العامّة تختلف بطبيعتها وآليتها والهدف منها، عن الرقابة التي تُمارس على الأجهزة المركزية، وذلك بحكم الاستقلال الذي يجب أن تتمتّع به هذه المؤسسات، حيث تفرض على الأجهزة المركزية رقابة إدارية رئاسية مباشرة، تستند إلى ما للرئيس الإداري من صلاحيات وسلطات، في توجيه مرؤوسيه، والإشراف عليهم، في إطار تدرّج الهرم الإداري، والذي يمكن بمقتضاه إصدار الأوامر إليهم وإلغاء وتعديل أعمالهم، فضلاً عن الحلول محلّهم في العمل أحياناً، بينما تفرض على المؤسسات العامة وصايا إدارية تختلف بطبيعتها عن الرقابة الرئاسية وفقاً للآتي[12]:

  • ‌أ- تعتبر الوصايا الإدارية استثناءً على الأصل العام، وهذا يعني أنها لا تفترض ولا يمكن ممارستها، إلا بناء على نصّ قانوني يقرّرها صراحةً، ولا تعمل إلا في حدود هذا النص، وأي خروج على حدود النص، يؤدّي إلى بطلان عمل جهة الوصايا، وكذلك الأمر، إذا ما مارست جهة الوصايا رقابتها دون نصّ قانوني، ذلك أن افتراض الوصاية الإدارية دون نص قانوني يقرّرها صراحةً، يؤدي إلى عرقلة سير أعمال الأجهزة اللامركزية ويهدم استقلالها، وكلّ ذلك تطبيقاً لقاعدة استقرت في القضاء الإداري مؤداها: “أن لا وصاية دون نصّ ولا وصاية أزيد من النصوص”. أمّا الرقابة الرئاسية؛ فهي من مقومات التنظيم الإداري المركزي وتعتبر إحدى دعائم هذا التنظيم، لذلك فإن سلطة الرقابة الإدارية الرئاسية سلطة مفترضة بحكم القانون ولا تحتاج إلى نصّ يقرّرها، فهي مقرّرة وفقاً للمبادئ العامة، حتى لو لم ينصّ القانون صراحةً على ذلك.

  • ‌ب- لا تملك السلطات المركزية في إطار الوصاية الإدارية توجيه أوامر أو تعليمات مُلزمة على الهيئات اللامركزية الخاضعة لوصايتها، ذلك أن توجيه الأوامر وواجب الطاعة من سمات التبعية الإدارية والتدرّج الرئاسي، وهذا ما لا يتّفق مع الاستقلال الإداري والمالي، الذي يعتبر عنصراً أساسياً وهاماً من عناصر وجود الإدارات المركزية.

  • ‌ج- تمتاز الرقابة الرئاسية بأنها رقابة داخلية، في حين أن الوصايا الإدارية تمثل رقابة خارجية، نظراً لاستقلال المرافق العامة اللامركزية المشمولة بالوصاية الإدارية عن جهة الرقابة عليها، ونتيجةً لذلك، تكون وسائل الوصايا الإدارية أخفّ من وسائل الرقابة الرئاسية.

  • ‌د- تمتاز الرقابة الرئاسية بالشمول والاستمرارية، في حين أنّ الوصايا الإدارية على العكس من ذلك تتّصف بالانحسار والجزئيّة والعرضيّة.

  • ‌ه- إن الهيئات اللامركزيّة تمارس أعمالها بصفتها ممثّلةً لشخص معنويّ عامّ مستقلّ، ممّا يترتّب عليه أنّ هذه الأعمال تُنسب إليها وتتحمّل المسؤولية عنها، بالرغم من الوصايا أو الرقابة عليها من السلطة المركزية، ومن هنا فإن الرقابة في صورة قرارات إدارية تخضع لمختلف طرق الطعن، سواء كان منها التظلم بالطرق الإدارية أو عن طريق الطعن بها بالإلغاء أمام القضاء الإداري.

ومن جانب آخر فإن المؤسسات العامة، وبما أنّها تتصرّف ابتداءً باعتبارها ممثلةً لشخص معنوي مستقلّ، فإن أعمالها تنسب إليها، وتتحمّل المسؤولية عنها، حتى ولو أجرت السلطة المركزيّة رقابتها عليها، وعلى ذلك، فإنّ قرار الجهة المركزية يكون مُنبتّ الصلة عن القرار الوصائي، وينبني على هذا أن أعمال هذه المؤسسات تُنسب إليها، حتى لو صادقت عليها سلطة الوصايا، والمسؤولية التقصيرية عن هذه الأعمال تتحمّلها المؤسسات العامّة لا سلطات الوصاية، كما أنّ من حقّ هذه المؤسسات أن تعدل عن قراراتها، فيما إذا رأت ملاءمة ذلك.

وعلى الرغم من أن الرقابة التي تكون على شكل وصايا إدارية، تأخذ بعين الاعتبار استقلالية المؤسسات العامة، فلا تمس بها إلا بالنزر اليسير الذي يضمن عدم انحراف تلك المؤسسات عن أهدافها، إلا أنّ لهذه الرقابة دوراً بارزاً في ضبط الانحراف الناتج عن سوء فهم المقصود من الاستقلال المالي والإداري وذلك من خلال الأساليب التي تُمارس بها هذه الرقابة والمتمثّلة بالآتي:

  • ‌أ- الرقابة على الأشخاص: وتمارس من خلال صورتين، سلطة تعيين القائمين على المؤسسة العامة، حيث تمارس السلطة المركزية دوراً رقابياً على المؤسسة العامة من خلال حقّها بتعيين كبار الموظفين فيها، وهو حقّ يستند في الحالة الفلسطينية إلى المادة 69 من القانون الأساسي، التي تجعل من مجلس الوزراء صاحب الصلاحية في تعيين رؤساء تلك المؤسسات، واستناداً إلى المبدأ الإداري بأن صاحب الصلاحية بالتعيين هو صاحب الصلاحية بالعزل، وعلى اعتبار أن رئيس المؤسسة هو مسؤول أمام مجلس الوزراء أو من ينيبه المجلس (الوزير المختص)، فإن لمجلس الوزراء دوراً رقابياً وبارزاً على حُسن أداء المؤسسة. وأمّا الصورة الثانية لهذه الرقابة، فهي الرقابة التي تُمارس على الكادر الوظيفي، عندما يتبع هذا الكادر للقطاع العام، فيخضع بالتالي لأحكام قانون الخدمة المدنية، وإشراف ديوان الموظفين العام ورقابة ديوان الرقابة المالية والإدارية.

  • ‌ب- الرقابة على الأعمال: ويُقصد بها الرقابة من قبل الأجهزة المركزية على تصرّفات المؤسسات العامة من حيث المشروعيّة والملاءمة. فمثلاً يجوز لسلطة الرقابة على المؤسسات العامة أن تُعلن بنفسها بطلان أيّ تصرّف يصدر عن تلك المؤسسات، إذا كان يخالف بشكل واضح وصريح نصّ القانون[13]، وقد تأخذ هذه الصورة نطاقاً أوسع عندما تمنح السلطات المركزيّة حقّ المصادقة على بعض أعمال المؤسسات العامة وتصبح شرطاً لنفاذها.

3. الأجسام الرقابية على المؤسسات العامة:

  • ‌أ- مجلس الوزراء: وذلك من خلال السلطة الإشرافية التي منحها له القانون الأساسي على المؤسسات العامة بموجب المادة 68 التي نصّت فقرتها الخامسة على أنّ من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء “الإشراف على أعمال الوزراء والمؤسسات العامة التابعة للحكومة”. والمادة 69 التي نصّت الفقرة 9/ب منها على أن من صلاحيات مجلس الوزراء “تعيين رؤساء الهيئات والمؤسسات والإشراف عليها وفقاً لأحكام القانون”.

  • ‌ب- المجلس التشريعي الفلسطيني: وذلك من خلال الدور الرقابي الذي يمارسه على السلطة التنفيذية بأجهزتها المركزية وغير المركزية، ومن ضمنها المؤسسات العامة، وقد يمارس المجلس التشريعي رقابته على تلك المؤسسات بشكل مباشر، وذلك من خلال استخدام الوسائل الرقابية المتاحة له قانوناً، في مواجهة القائمين على المؤسسة العامة كاستدعاء رئيس المؤسسة ومساءلته واستجوابه، حيث نصّت الفقرة الأولى من المادة 56 من القانون الأساسي على أن لكل عضو من أعضاء المجلس الحقّ في: “التقدّم إلى السلطة التنفيذيّة بكل الطلبات الضرورية والمشروعة اللازمة لتمكينه من ممارسة مهامّه النيابيّة”. ونصّت الفقرة الثالثة من المادة المذكورة أن لكل عضو الحق في: “توجيه الأسئلة والاستجوابات إلى الحكومة أو إلى أحد الوزراء، ومَن في حُكمهم، ولا يجوز مناقشة الاستجواب إلا بعد مرور سبعة أيام من تقديمه إلا إذا قبل الموجّه إليه الاستجواب، الردّ والمناقشة حالاً، أو في أجل أقل، كما أنه يجوز تقصير هذا الأجل، في حالة الاستعجال إلى ثلاثة أيام بموافقة رئيس السلطة الوطنية”[14]. كما ويمكن للمجلس أن يمارس رقابته من خلال تشكيل لجان تقصّي الحقائق، بحق المؤسسة أو القائمين عليها، حيث نصّت المادة 58 من القانون الأساسي على أن: “للمجلس أن يكوّن لجنة خاصة، أو يكلّف إحدى لجانه، من أجل تقصّي الحقائق في أي أمر عام، أو في إحدى الإدارات العامة”. وأخيراً فإن للمجلس أن يمارس رقابته على المؤسسات العامة مباشرة، من خلال حقّه في سحب مصادقته على تعيين رئيس المؤسسة في الحالات التي يكون من حقّ المجلس المصادقة على تعيين رئيس المؤسسة العامة.

أما الرقابة غير المباشرة للمجلس على المؤسسات العامة، فتكون من خلال رقابته على الحكومة وإلزامها باتّخاذ إجراءات معيّنة بحق المؤسسة أو القائمين عليها.

  • ‌ج- وزارة المالية، وذلك فيما يتعلّق بالشؤون المالية للمؤسسات العامة، فهناك عدد من النصوص القانونية الواردة في قانون رقم (7) لسنة 1998 بشأن تنظيم الموازنة العامة والشؤون المالية، التي تفرض على المؤسسات العامة الالتزام بأحكامه، فيما يتعلّق بإعداد موازناتها والحسابات الختاميّة وتنفيذ الموازنة وإدارة الدين والأصول والتدقيق. ونذكر من هذه النصوص المادة 22 التي ألزمت المؤسسات العامة التقيّد بتعليمات دائرة الموازنة في وزارة المالية بنصّها على أنه: “على الوزارات والمؤسسات العامة والمؤسسات التقيّد التام بالتعليمات التي تضعها دائرة الموازنة لإعداد مشروع قانون الموازنة العامة، ومشروع نظام جدول تشكيلات الوظائف وأية تعليمات أخرى لتمكين دائرة الموازنة العامة من القيام بمهامها على أكمل وجه”. والمادة 23 من القانون ذاته، التي اعتبرت أن المؤسسات العامة “مسؤولة عن صحة الأرقام والبيانات والمعلومات والجداول المقدّمة من قبلها لدائرة الموازنة”. وأوجبت المادة 24 من هذا القانون على المؤسسات العامّة “تزويد دائرة الموازنة العامة بجميع البيانات والمعلومات والجداول والإيضاحات التي تطلبها دون تأخير”. وأوجبت المادة 46 من القانون على جميع المؤسسات العامة “تزويد الوزارة ودائرة الموازنة ببيان تفصيلي يتضمّن الإنفاق الشهري الفعلي من مخصّصاتها المعتمدة، وفق النماذج التي تعدّها الوزارة وكذلك الموقف المالي للإيرادات والمنح والمقبوضات الفعلية، وذلك في موعد لا يتجاوز نهاية الأسبوع الأول من الشهر التالي”.

ويندرج ضمن إطار رقابة وزارة المالية أيضاً، الرقابة على تعيين الموظفين في تلك المؤسسات، حيث فرضت المادة 2 من قرار مجلس الوزراء رقم (60) لسنة 2004م بمعالجة الاعتمادات - الإحداثات المالية لوظائف القطاع العام، على الدوائر الحكومية ومن ضمنها المؤسسات العامة أن تنسّق مع وزارة المالية بشكل مسبق بشأن أي تعيينات - إحداثيات جديدة فيها.

  • ‌د- ديوان الرقابة المالية والإدارية: حيث تخضع المؤسسات العامة بموجب قانون ديوان الرقابة المالية والإدارية رقم 15 لسنة 2004 لرقابة الديوان، ولذلك للتحقّق من حُسن استغلال المال العام، وتطوير السياسات والإجراءات الإدارية وتحسين الأداء، فقد نصّت المادة 31 من هذا القانون على أن تخضع المؤسسات العامة لرقابة الديوان، فنصّت الفقرة السابعة من هذه المادة، على أنّ من ضمن الجهات التي تخضع لرقابة الديوان: “الهيئات والمؤسسات العامّة والأهليّة والنقابات والجمعيات والاتحادات بجميع أنواعها ومستوياتها ومَن في حكمها”. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى انه وحتى مؤسسات الدولة غير الخاضعة للسلطة التنفيذية؛ كالمجلس التشريعي والمؤسسات التي تتبع لرئيس السلطة تخضع لرقابة هذا الديوان، حيث أخضعت الفقرة الأولى من المادة 23 هذه المؤسسات لرقابة الديوان، بنصّها على أن ممّن يخضعون لرقابة الديوان “رئاسة السلطة الوطنية والمؤسسات التابعة لها”. وقد بيّنت الفقرتان السابعة والثامنة من المادة المذكورة أن الديوان يمارس الرقابة على المؤسسات العامة وذلك من خلال: “تنفيذ السياسات الخاصة بالرقابة والتفتيش بما يضمن تعزيز الشفافية والمصداقية والوضوح في أعمال الحكومة والمؤسسات والهيئات العامة ومن في حكمها. وبحث وتحرّي أسباب القصور في العمل والإنتاج بما في ذلك الكشف عن عيوب النُظم المالية والإدارية والفنية التي تعرقل سير أعمال الحكومة والأجهزة والمؤسسات العامة واقتراح وسائل تلافيها ومعالجتها”.

  • ‌ه- هيئة مكافحة الكسب غير المشروع[15]: حيث تمارس هذه الهيئة، حال وجودها، رقابة على الأشخاص في المؤسسات العامة تشمل وفقاً للمادة 2 من قانون الكسب غير المشروع رقم (1) لسنة 2005، الموظفين الخاضعين لقانون الخدمة المدنية من الفئات: الخاصة والأولى والثانية، ومسؤولي وأعضاء الجهات التي تتلقّى موازناتها أو أي دعم من الموازنة العامة للدولة. وتهدف رقابة هذه الجهة على المؤسسات العامة إلى ضمان نزاهة القائمين عليها من موظفين ومسؤولين، بعدم حصولهم على منافع مالية نتيجة استغلالهم الوظيفة أو الصفة أو نتيجة سلوك مخالف لنص قانوني أو للآداب العامة أو بأية طريقة غير مشروعة.

  • ‌و- ديوان الموظفين العام: وذلك من خلال إشرافه على الكادر الوظيفي للمؤسسات العامة إذا ما كانوا يخضعون لقانون الخدمة المدنية.

 

خاتمة وتوصيات:

يتبيّن لنا من خلال هذا التقرير، أن واقع المؤسسات العامة في فلسطين، يشوبه في بعض جوانبه الخلل والضبابيّة، التي نتجت عن إشكالات قانونيّة تمثّلت في غياب الوضوح في المرجعيّة القانونيّة، من حيث الإنشاء والتبعيّة والتنظيم، إضافة إلى إشكالاتٍ عمليّة تمثّلت في التخبّط الذي وقعت به السلطة الفلسطينية عند إنشائها لتلك المؤسسات، وغياب الفهم السليم لمصطلح الاستقلال المالي والإداري، واعتقاد تلك المؤسسات أن هذا الاستقلال يجعلها في منأى وحصانة من الرقابة على أعمالها وتصرّفاتها، واتّساع هذا الاعتقاد الخاطئ، ليشمل الجهات العليا التي من المفترض أن تُشرف على تلك المؤسسات وتراقب أداءها.

وعليه نوصي بالآتي:

  • 1. التأكيد على أن مفهوم الاستقلال المالي والإداري ومفهوم الرقابة، هما مفهومان متكاملان غير متناقضين، ولا ينفي أحدهما الآخر، وأن منح الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات العامة لا يجعلها خارج إطار الرقابة، وأن هناك صوراً من الرقابة الإدارية، يجب أن تُمارس على تلك المؤسسات، سواءً كانت رقابة على الأشخاص، أو رقابة على الأعمال، أو رقابة على الشؤون المالية لتلك المؤسسات، وأن هناك أجساماً رقابيّة رسميّة، لها الحق في ممارسة هذه الرقابة، تتمثّل في كل من: (مجلس الوزراء، المجلس التشريعي، وزارة المالية، ديوان الرقابة المالية والإدارية، هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، ديوان الموظفين العام).

  • 2. التأكيد على أن مفهوم الاستقلال المالي والإداري هو مفهوم نسبي، يختلف من مؤسسة لأخرى وفقاً لحاجة المؤسسة إلى هذا الاستقلال في ممارستها لأعمالها ومهامها، وهنا فإنه من الضرورة الأخذ بالحسبان عند تقرير حدود الاستقلال المالي والإداري لتلك المؤسسات، النظر إلى واقع كلّ مؤسسة على حدة، من حيث الخصوصية التي يجب منحها للكادر البشري فيها، أو من حيث خصوصيّة وضعها المالي، ومنحها هامش تصرّف أكبر في هذا الجانب، مع ممارسة رقابة ماليّة لاحقة عليها.

  • 3. ضرورة أن تُعالج التشريعات المنشئة والمنظّمة لعمل المؤسسة العامة، كافّة الأحكام المتعلّقة بإنشائها، والغاية منها، ومهامّها واختصاصاتها وعلاقاتها مع المؤسسات الحكومية ذات الصلة، وآليات الرقابة المالية والإدارية على تصرّفاتها والجهة التي تملك الوصايا الإدارية عليها، وهيكليتها والتفاصيل المتعلقة بكادرها الوظيفي من حيث تبعيّته وأنظمته الخاصة.

  • 4. تصويب الوضع القانوني للمؤسسات العامّة القائمة بما يتّفق مع القانون الأساسي، من حيث ضرورة إتباعها لمجلس الوزراء، وإعادة النظر في تعيينات رؤساء تلك المؤسسات والقائمين عليها، وجعل هذا التعيين اختصاصاً لمجلس الوزراء، على أن يُراعى عند اختيار القائمين على تلك المؤسسة، أن يتم من قِبل لجنة وطنية عُليا تُراعي اعتبارات المهنيّة والحياديّة في التعيين. والالتزام بأحكام القانون الأساسي، فيما يتعلّق بإنشاء مؤسسات عامة جديدة وتبعيّتها وتعيين رؤسائها.

  • 5. إعادة النظر في بعض المؤسسات العامة القائمة، من حيث: أهمية وجودها، وإمكانيّة دمجها مع الوزارات ذات العلاقة، ومن جانب آخر عدم التسرّع في إنشاء أيّة مؤسسات عامة جديدة، وإجراء دراسات معمّقة عند ظهور الحاجة لإدارة مرفق عام لمدى جدوى وأهميّة إدارة هذا المرفق، عن طريق مؤسسة عامّة جديدة.

  • 6. التأكيد على وجوب تنظيم عمل المؤسسات التي توصف باعتبارها مؤسسات دولة، كمجلس القضاء الأعلى، والمجلس التشريعي، ولجنة الانتخابات المركزيّة، بموجب تشريعات (قوانين ولوائح تنظيمية وقرارات) توضّح مراكز المسؤولية والمساءلة، وذلك إعمالاً للمبدأ الدستوري الوارد في المادة السادسة من القانون الأساسي، والتي تنصّ على ما يلي: “مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص”.

  • 7. تعزيز مفاهيم المحاسبة والمساءلة والشفافيّة والنزاهة في إنشاء وإدارة المؤسسات العامة من خلال:

  • تحديد تبعيّة المؤسسة العامّة والقائمين عليها، وتوفير الأرضيّة القانونيّة لعمل المؤسسات العامّة، الأمر الذي يضمن خضوع الموظفين الذين يتولّون هذه المؤسسات للمساءلة القانونية والإدارية والأخلاقية عن نتائج أعمالهم.

  • اعتماد مبدأ الشفافيّة والوضوح، وتقديم تقارير دورية عن أعمال ومدى نجاعة المؤسسة العامة في تنفيذ أعمالها، وضمان حق المواطنين في الحصول على المعلومات اللازمة عن هذه المؤسسات، بالقدر الذي يضمن التأكد من أن عمل هذه المؤسسات يتّفق مع القيم الديمقراطية ومع تعريف القانون لوظائف المؤسسة ومهامها.

  • تحديد ووضوح وعلنيّة الإجراءات والقواعد المالية والإدارية التي تحكم عمل المؤسسات العامة، مع مراعاة غايات وأهداف وطبيعة عمل كل مؤسسة. إضافةً إلى تعزيز منظومة القيم المتعلّقة بالصدق والأمانة والإخلاص والمهنيّة في عمل وإدارة هذه المؤسسات.

  • 8. تطوير الرقابة الفاعلة على المؤسسات العامة وذلك من خلال الآتي:

  • توفير الأرضية القانونية لعمل المؤسسات العامة، بحيث يتم العمل وبالتنسيق مع الجهات التشريعية، على تحديد القوانين والأنظمة والتعليمات لكل الممارسات المالية والإدارية، وبما يقلّل حجم الاجتهادات الشخصيّة التي تعتبر أهم مدخل للغش والفساد من ناحية، وتشديد العقوبات المفروضة على جرائم الغش والفساد من ناحية أخرى.

  • تفعيل وسائل المحاسبة والمساءلة، فبالنظر إلى أن المساءلة والمحاسبة الحقيقية تعني القدرة على مساءلة المسؤولين على اختلاف مستوياتهم ثواباً وعقاباً، والطلب منهم تفسير قراراتهم، وتحمّل مسؤولية أعمالهم، دون أي تمييز بسبب مناصبهم، فهي بذلك تُسهم بشكل فاعل في مكافحة الغش والفساد، وفي هذا الإطار تعمل أجهزة الرقابة العليا على تدعيم مبدأ المُحاسبة والمُساءلة، من خلال السعي لإقرار القوانين، وتحديد العقوبات، وتطبيق الإجراءات القانونية التي تضمن المكافأة والمعاقبة على كافة المستويات.

  • تحديث وسائل وأساليب الرقابة، ذلك أنّ التطوّرات المُتلاحقة في بيئة الأعمال واستخدام التقنيات الحديثة، وثورة المعلومات تستدعي تطوير أدوات وأساليب الممارسة الرقابية، واستخدام البرمجيات الحديثة ووسائل الرقابة التحليلية والأساليب الكميّة الحديثة.

*** انتهى***

 



[1]

للتفصيل راجع دراسة احمد أبو دية وجهاد حرب “إشكاليات الفصل بين السلطات في النظام السياسي: السلطة التنفيذية مؤسستا الرئاسة ومجلس الوزراء”، رام الله، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة، 2006.

[2]

وذلك إعمالاً لقاعدة الخاص يقيّد العام.

[3]

لرصد قرارات مجلس الوزراء بهذا الخصوص، انظر الملحق المرفق بهذه الدراسة.

[4]

وعلى الرغم من محاولات مجلس الوزراء لتنظيم عمل هذه المؤسسات إلا أن القرارات الصادرة عن المجلس بهذا الشأن اتّسمت بالغموض أو عدم الدقّة أحياناً؛ فعلى سبيل المثال تم استخدام مصطلح ” إلحاق” وفي أحيان أخرى تم استخدام مصطلح “دمج” دون تحديد الفرق أو ما المقصود بالمصطلحين.

[5]

للتفصيل انظر دراسة جهاد حرب “مستقبل الإصلاح السياسي في السلطة الفلسطينية في ظل حكومة حماس”، رام الله، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وانظر الجدول الملحق بهذه الدراسة والذي يتضمّن مجموعة من القوانين بحاجة إلى دراسة وتعديل.

[6]

مادة 2 من القانون الأساسي:”الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبيّن في القانون الأساسي”. مادة 97:”السلطة القضائية مستقلة….”

[7]

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أننا لا نتّفق مع ما ذهب إليه المشرّع الفلسطيني من أن تنظيم المؤسسات العامة يجب أن يكون بموجب قانون يصدر عن المجلس التشريعي، ونرى أنه كان من الأفضل لو جعل المشرّع الفلسطيني تنظيم عمل المؤسسات العامة - كما إنشائها - صلاحيةً بيد مجلس الوزراء كونه الأقدر على وضع القواعد الإدارية التي تتعلّق بتنظيم وتسيير المرفق العام بعد إنشائه، فهي صلاحية تنفيذية إدارية يجب أن تكون الكلمة العليا فيها للسلطة التنفيذية لا السلطة التشريعية.

[8]

معن ادعيس، المؤسسات العامة والسلطة التنفيذية الفلسطينية، منشورات الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، سلسلة تقارير قانونية، رام الله 2003، ص33.

[9]

انظر الجزء الثاني من الدراسة والمتعلق بالقوانين والأنظمة الناظمة للشؤون المالية والإدارية للمؤسسات العامة.

[10]

محمد عبد الباسط، القانون الإداري - تنظيم الإدارة - نشاط الإدارة - وسائل الإدارة، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 

[11]

علي شطناوي، الوجيز في القانون الإداري، دار وائل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003، ص180.

[12]

حمدي القبيلات، الرقابة الإدارية والمالية على الأجهزة الحكومية، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع/ عمان، ص75.

[13]

جورج فودال وبيار دلفولفيه، القانون الإداري، الجزء الثاني، ترجمة منصور القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع / بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص307.

[14]

نصّت المادة 57 من النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني على انه: “للجان من خلال رؤسائها أن تطلب من أي وزير أو مسؤول في مؤسسات السلطة الوطنية معلومات أو إيضاحات تتعلّق بالموضوعات المطروحة عليها أو التي تدخل ضمن اختصاصها”.

[15]

على الرغم من عدم تشكيل هذه الهيئة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، إلا أن دورها المهم الذي يمكن أن تلعبه في الرقابة على نزاهة المؤسسات العامة عند تشكيلها يحتّم علينا ذكرها كجهاز رقابي له غطاؤه القانوني.

تعليقات

الفساد الإداري.. مفهومه ومظاهره وأسبابه

تعتبر ظاهرة الفساد والفساد الإداري والمالي بصورة خاصة ظاهرة عالمية شديدة الانتشار ذات جذور عميقة تأخذ إبعاداً واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها، وتختلف درجة شموليتها من مجتمع إلى آخر. إذ حظيت ظاهرة الفساد في الآونة الأخيرة باهتمام الباحثين في مختلف الاختصاصات كالاقتصاد والقانون وعلم السياسة والاجتماع، كذلك تم تعريفه وفقاً لبعض المنظمات العالمية حتى أضحت ظاهرة لا يكاد يخلو مجتمع أو نظام سياسي منها.

وهنا نسلط الضوء على مفهوم الفساد، مظاهره، أسبابه والآثار والانعكاسات المؤثرة ثم نعرج على تجربة العراق في الفساد الإداري محاولين تسليط الضوء على خصائص وإبعاد هذه التجربة والآثار السلبية الناتجة عنها ثم نأتي إلى وضع ابرز الحلول والمعالجات الموضوعية للحد من تأثير هذه الظاهرة على المجتمعات البشرية.

أولاً:- تحديد مفهوم الفساد.

يقتضي الاتفاق في معظم البحوث الأكاديمية على تحديد معنى المصطلحات المستخدمة ومضمونها حتى ينحصر الجدل في إطاره الموضوعي، واستناداً إلى ذلك، فإنه يمكن تعريف الفساد لغةً واصطلاحاً.

الفساد لغةً:- الفساد في معاجم اللغة هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحل، ويأتي التعبير على معانٍ عدة بحسب موقعه. فهو (الجدب أو القحط) كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (سورة الروم الآية41) أو (الطغيان والتجبر) كما في قوله تعالى (للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص الآية83) أو (عصيان لطاعة الله) كما في قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً إن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم عذاب عظيم) (سورة المائدة الآية33) ونرى في الآية الكريمة السابقة تشديد القرآن الكريم على تحريم الفساد على نحو كلي، وإن لمرتكبيه الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.

الفساد اصطلاحاً:- ليس هناك تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح اليوم، لكن هناك اتجاهات مختلفة تتفق في كون الفساد هو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص.

ويحدث الفساد عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة. كما يمكن للفساد إن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب ضمن منطق (المحسوبية والمنسوبية) أو سرقة أموال الدولة مباشرةً.

إن ظاهرة الفساد الإداري ظاهرة طبيعية في المجتمعات الرأسمالية حيث تختلف درجات هذا الفساد إلى اختلاف تطور مؤسسة الدولة. إما في بلدان العالم الثالث فإن لفساد مؤسسات الدولة وتدني مستويات الرفاه الاجتماعي تصل إلى أقصى مدياتها، وهذا ناتج عن درجة التخلف وازدياد معدلات البطالة. فالفساد قد ينتشر في البنى التحتية في الدولة والمجتمع، وفي هذه الحالة يتسع وينتشر في الجهاز الوظيفي ونمط العلاقات المجتمعية فيبطيء من حركة تطور المجتمع ويقيد حوافز التقدم الاقتصادي.

إن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب، فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات، وبالتالي تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب مزيداً من التأخير في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس.

إن الفساد له آلياته وآثاره ومضاعفاته التي تؤثر في نسيج المجتمعات وسلوكيات الأفراد وطريقة أداء الاقتصاد وتعيد صياغة (نظام القيم) وهناك آليتين رئيسيتين من آليات الفساد:

1. آلية دفع (الرشوة) و(العمولة) (المباشرة) إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية.

2. وضع اليد على (المال العام) والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي.

وهذا النوع من الفساد يمكن تسميته بـ(الفساد الصغير) وهو مختلف تماماً عن ما يمكن تسميته بـ(الفساد الكبير) المرتبط بالصفقات الكبرى في عالم المقاولات وتجارة السلاح، ويحدث مثل هذا الفساد الكبير عادةً على المستويين السياسي والبيروقراطي مع ملاحظة إن الأول يمكن أن يكون مستقلاً بدرجة أو بأخرى، عن الثاني أو يمكن أن تكون بينهما درجة عالية من التداخل والتشابك. إذ عادةً ما يرتبط (الفساد السياسي) بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا إلى أدوات للإثراء الشخصي المتصاعد.

ومع تعدد التعاريف المتناولة لمفهوم الفساد، إلى أنه يمكن القول إن الإطار العام للفساد ينحصر في سوء استعمال السلطة أو الوظيفة العامة وتسخيرها لقاء مصالح ومنافع تتعلق بفرد أو بجماعة معينة.

ثانياً:- مظاهر الفساد:

والفساد من حيث مظهره يشمل أنواع عدة منها:-

1. الفساد السياسي:- ويتعلق بمجمل الانحرافات المالية ومخالفات القواعد والأحكام التي تنظم عمل النسق السياسي (المؤسسات السياسية) في الدولة. ومع أن هناك فارق جوهري بين المجتمعات التي تنتهج أنظمتها السياسية أساليب الديمقراطية وتوسيع المشاركة، وبين الدول التي يكون فيها الحكم شمولياً ودكتاتورياً، لكن العوامل المشتركة لانتشار الفساد في كلا النوعين من الأنظمة تتمثل في نسق الحكم الفاسد (غير الممثل لعموم الأفراد في المجتمع وغير الخاضع للمساءلة الفعالة من قبلهم) وتتمثل مظاهر الفساد السياسي في: الحكم الشمولي الفاسد، وفقدان الديمقراطية، وفقدان المشاركة، وفساد الحكام وسيطرة نظام حكم الدولة على الاقتصاد وتفشي المحسوبية.

2. الفساد المالي:- ويتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية كالجهاز المركزي للرقابة المالية المختص بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات، ويمكن ملاحظة مظاهر الفساد المالي في: الرشاوى والاختلاس والتهرب الضريبي وتخصيص الأراضي والمحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية.

3. الفساد الإداري:- ويتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام إثناء تأديته لمهام وظيفته في منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية التي لا ترقى للإصلاح وسد الفراغ لتطوير التشريعات والقوانين التي تغتنم الفرصة للاستفادة من الثغرات بدل الضغط على صناع القرار والمشرعين لمراجعتها وتحديثها باستمرار. وهنا تتمثل مظاهر الفساد الإداري في: عدم احترام أوقات ومواعيد العمل في الحضور والانصراف أو تمضية الوقت في قراءة الصحف واستقبال الزوار، والامتناع عن أداء العمل أو التراخي والتكاسل وعدم تحمل المسؤولية وإفشاء أسرار الوظيفة والخروج عن العمل الجماعي.

والواقع إن مظاهر الفساد الإداري متعددة ومتداخلة وغالباً ما يكون انتشار احدها سبباً مساعداً على انتشار بعض المظاهر الأخرى.

4. الفساد الأخلاقي:- والمتمثل بمجمل الانحرافات الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته. كالقيام بإعمال مخلة بالحياء في أماكن العمل أو أن يجمع بين الوظيفة وأعمال أخرى خارجية دون أذن أدارته، أو أن يستغل السلطة لتحقيق مآرب شخصية له على حساب المصلحة العامة أو أن يمارس المحسوبية بشكلها الاجتماعي الذي يسمى (المحاباة الشخصية) دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة والجدارة.

ثالثاً:- أسباب الفساد وانعكاساته:-

للفساد أسباب وانعكاسات عديدة يمكن ملاحظتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على أن هذا لا يعني أن الفساد مقتصر على وجود هذه العوامل الثلاث ولكن لأغراض البحث العلمي ولأهمية هذه العوامل في بنية وتكوين المجتمع يمكن رصد هذه الأسباب.

ففيما يتعلق بالجوانب والأسباب السياسية الملازمة لظاهرة الفساد، يمكن القول أن عوامل مختلفة تقف وراء شيوع هذه الظاهرة تتناغم في شدتها ودرجتها طردياً مع تنامي ظاهرة الفساد منها عدم وجود نظام سياسي فعّال يستند إلى مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بشكل انسب أي غياب دولة المؤسسات السياسية والقانونية والدستورية وعند هذا المستوى تظهر حالة غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد في ظل غياب دولة المؤسسات وسلطة القانون والتشريعات تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والتهميش والإقصاء الوظيفي. وهناك عامل آخر يتعلق بمدى ضعف الممارسة الديمقراطية وحرية المشاركة الذي يمكن أن يسهم في تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي ذلك أن شيوع حالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية في العديد من البلدان يسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة وعندها يفتقد النظام السياسي أو المؤسسة السياسية شرعيتها في السلطة وتصبح قراراتها متسلطة بعيدة عن الشفافية، فضلاً عن حرية نشاط مؤسسات المجتمع المدني.

كما يمكن لظاهرة الفساد أن تأخذ مداها وتبلغ مستوياتها في ظل عدم استقلالية القضاء وهو أمر مرتبط أيضاً بمبدأ الفصل بين السلطات إذ يلاحظ في معظم البلدان المتقدمة والديمقراطية استقلالية القضاء عن عمل وأداء النظام السياسي وهو ما يعطي أبعاداً أوسع فعالية للحكومة أو النظام السياسي تتمثل بالحكم الصالح والرشيد، فاستقلالية القضاء مبدأ ضروري وهام يستمد أهميته من وجود سلطة قضائية مستقلة نزيهة تمارس عملها بشكل عادل وتمتلك سلطة رادعة تمارسها على عموم المجتمع دون تمييز. وهنا فأن السلطة الرادعة هذه تعتبر من أهم مقومات عمل السلطة القضائية لتأخذ دورها في إشاعة العدل والمساواة بين أفراد المجتمع.

هناك عامل آخر يمكن أن يسهم في تفشي ظاهرة الفساد متمثل بقلة الوعي (الوعي السياسي) وعدم معرفة الآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة السلطة. وهو أمر يتعلق بعامل الخبرة والكفاءة لإدارة شؤون الدولة.

يضاف إلى تلك العوامل والأسباب السياسية المتعلقة بظاهرة الفساد عوامل أخرى اقتصادية منها: غياب الفعالية الاقتصادية في الدولة ذلك أن اغلب العمليات الاقتصادية هي عبارة عن صفقات تجارية مشبوهة أو ناتجة عن عمليات سمسرة يحتل الفساد المالي فيها حيزاً واسعاً، وهو ما سينعكس بصورة أو بأخرى على مستوى وبنية الاقتصاد الوطني، إذ ستؤثر هذه العمليات على مدى سير عملية تنفيذ المشاريع وبالتالي على عملية الإنتاج. من جهة أخرى، أن مستوى الجهل والتخلف والبطالة يشكل عامل حاسم في تفشي ظاهرة الفساد ذلك أن قلة الوعي الحضاري ظلت ملازمة أو ملتزمة بالرشوة. كما أن ضعف الأجور والرواتب تتناسب طردياً مع ازدياد ظاهرة الفساد.

ومن خلال هذه العوامل والأسباب الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لظاهرة الفساد، يمكن رصد بعض الآثار الاقتصادية المتعلقة بتلك الظاهرة عموماً منها:-

1. يساهم الفساد في تدني كفاءة الاستثمار العام وأضعاف مستوى الجودة في البنية التحية العامة وذلك بسبب الرشاوى التي تحد من الموارد المخصصة للاستثمار وتسيء توجيهها أو تزيد من كلفتها.

2. للفساد أثر مباشر في حجم ونوعية موارد الاستثمار الأجنبي، ففي الوقت الذي تسعى فيه البلدان النامية إلى استقطاب موارد الاستثمار الأجنبي لما تنطوي عليه هذه الاستثمارات من إمكانات نقل المهارات والتكنلوجيا، فقد أثبتت الدراسات أن الفساد يضعف هذه التدفقات الاستثمارية وقد يعطلها مما يمكن أن يسهم في تدني إنتاجية الضرائب وبالتالي تراجع مؤشرات التنمية البشرية خاصةً فيما يتعلق بمؤشرات التعليم والصحة.

3. يرتبط الفساد بتردي حالة توزيع الدخل والثروة، من خلال استغلال أصحاب النفوذ لمواقعهم المميزة في المجتمع وفي النظام السياسي، مما يتيح لهم الاستئثار بالجانب الأكبر من المنافع الاقتصادية التي يقدمها النظام بالإضافة إلى قدرتهم على مراكمة الأصول بصفة مستمرة مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين هذه النخبة وبقية أفراد المجتمع.

كما يمكن لظاهرة الفساد أن تنمو وتتزايد بفعل عوامل اجتماعية ضاربة في بنية وتكوين المجتمعات البشرية ونسق القيم السائدة، إذ تلعب العادات والتقاليد الاجتماعية وسريانها دوراً في نمو هذه الظاهرة أو اقتلاعها من جذورها وهذه العادات والتقاليد مرتبطة أيضاً بالعلاقات القبلية السائدة في المجتمع كما أن التنظيم الإداري والمؤسسي له دور بارز في تقويم ظاهرة الفساد من خلال العمل على تفعيل النظام الإداري ووضع ضوابط مناسبة لعمل هذا النظام وتقوية الإطار المؤسسي المرتبط بخلق تعاون وتفاعل ايجابي بين الفرد والمجتمع والفرد والدولة استناداً إلى علاقة جدلية تربط بينهما على أساس ايجابي بناء يسهم في تنمية وخدمة المجتمع.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن العوامل السابقة يتمثل في غياب الثقة في تطبيق المثل الإنسانية.

ومن خلال هذه الأسباب والآثار المتعلقة بظاهرة الفساد، يمكن أن نسلط الضوء على تجربة العراق في الفساد الإداري، ومدى سلوك هذه الظاهرة منذ نشأتها وحتى الوقت الحاضر وأهم أسبابها وانعكاساتها، وصولاً إلى وضع الخطط والسبل الكفيلة للحد من هذه الظاهرة الوبائية في المجتمعات عموماً.

رابعاً: الفساد الإداري في العراق:-

يصعب تحليل ظاهرة الفساد في العراق دون ربطها بتاريخ الظاهرة في ظل أوضاع نظم الحكم المتتابعة على هذه الدولة، وعليه يمكن القول أن الفساد في العراق ليس وليد اللحظة الآنية، بل متجذر في البنية المجتمعية منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة التي تأسست على الخلفية الطائفية وهذا يكشف عن أحدى الأسباب المهمة في تبلور تلك الظاهرة الخطيرة التي تقف عقبة في طريق تقدم عملية التنمية بأصعدتها المختلفة مبددة الطاقات المالية والبشرية ومكرسة لحالة التخلف في مجتمعنا العراقي.

لقد شجع النظام الملكي في العراق الإقطاع كنظام اجتماعي كان في طريقه إلى الاضمحلال ثم الزوال بشكل نهائي نتيجة تطور العلاقات الاجتماعية كانعكاس للواقع المادي الجديد آنذاك. إذ أدت تلك السياسة إلى نزوح الفئات الفلاحية هرباً من الاستغلال لينشؤوا مناطق بائسة مادياً في ضواحي العاصمة، ذلك أن وجود دستور ينص على المساواة بين المواطنين لم يجد له مكان في ارض الواقع بسبب غياب الديمقراطية المبنية على إشراك جميع المواطنين من جهة وفصل السلطات من جهة أخرى.

واستمرت حالات الفساد الاداري والمالي مستشرية في جميع مفاصل الدولة حتى تفاقمت تلك الظاهرة بشكل نوعي أبان الحقبة البعثية الصدامية وكانت لعائدات النفط المرتفعة تأثيراً مباشراً في فتح منافذ متعددة استطاعت بؤر الفساد في الدولة النفاذ عبرها من أجل إشباع حاجاتها ورغباتها باستمرار على حساب معاناة فاقت كل الحدود للشعب العراقي. إن الاستغراق في تفصيل مفردات الفساد لتلك الحقبة يأتي بنتائج عكسية لأنه يضع في النهاية حدوداً لها في حين أنها غير متناهية في ذاكرة العراقيين جميعاً، فبعد سقوط النظام السابق انتقلت مظاهر الفساد المختلفة منها اللامبالاة والأنانية والمحسوبية والمنسوبية والرشوة عبر الكادر الإداري البعثي السابق إلى كل مفاصل الدولة الجديدة حيث تكونت فئات لا ترتقي لمستوى الطبقة الاجتماعية خلال هذه الفترة وافرازاتها متحصنة بأسلحة متنوعة سياسية، مالية وإعلامية لتسيطر على الأراضي والممتلكات العامة وكأنها أصبحت مشاعية خاصة بهم حتى أصبحت هذه الممارسات ما يمكن أن يطلق عليها (ثقافة الفرهود) المتجذرة في المجتمعات البدوية التي أعيد إنتاجها لتتفق والمعطيات المشوهة لهذا الزمان. ومن جهة أخرى تمثلت حالات الفساد الإداري والمالي في العراق خلال فترة الاحتلال وقبل تشكيل أول حكومة عراقية بالممارسات والأعمال التي قامت بها قوات الاحتلال وهي قضية تعيين مستشارين أمريكان بصفة ممثلين لقطاعات مختلفة من التكنوقراط وأصبحوا يديرون الوزارات والمؤسسات الرسمية واغلبهم أن لم يكن جميعهم من العاطلين عن العمل في أوربا وأمريكا يفتقدون لمعيار الخبرة والكفاءة التي تعتبر من أهم مقومات الحكم الصالح والرشيد. وقد استخدم هؤلاء مناصبهم لممارسة أعمال تجارية كالسمسرة بين مؤسسات الدولة والشركات الأجنبية مما تسبب بهدر جزء كبير من المال المخصص لإعادة الأعمار.

لقد اتسمت المرحلة التي شهدها العراق إبان فترة الاحتلال بتزايد حالات الفساد التي عبرت عنها حالات متكررة من الانحراف في القيم الأخلاقية التي لم يعتد عليها المجتمع العراقي مثل القتل والاغتصاب والخطف والسرقة، ففي تقرير لمعهد الدراسات السياسية الأمريكية (IPS) ومركز السياسة الخارجية في بؤرة الاهتمام (FPS) الصادر في حزيران 2004 يشير إلى أن الفساد الاقتصادي معبراً عنه بالعديد من التجاوزات المالية التي حدثت تحت أوضاع الاحتلال، فقد أجري تحقيق مع موظفي شركة (هاليبرتون) لاتهامها بتقاضي مبالغ مالية بلغت نحو (160) مليون دولار لأعمال لم تقم بإنجازها فضلاً عن (60) مليون دولار قيمة تجاوزات لنفقات محدودة مسبقاً والرشاوى التي تلقاها بعض موظفي هذه الشركة من مقاولين ثانويين وأخرى غيرها تظهر وسائل الفساد والإفساد في المجتمع العراقي.

كما امتدت مظاهر الفساد إلى بعض لجان الأمم المتحدة حينما أساءت التصرف في مضمون اتفاقية النفط مقابل الغذاء والدواء، ففي تقرير أعدته منظمة الشفافية الدولية قدرت ظاهرة الفساد في العراق بأكبر ظاهرة فساد في التاريخ المعاصر من الفساد الإداري، إذ تشكلت لجنة خاصة للتحقيق والنظر في هذه القضية وعليه يمكن القول: إن أتساع دائرة الفساد في العراق قد رافق نشأة المؤسسات بعد رحيل النظام السابق، إذ لم توافق سلطة الاحتلال على استقلالية قرارات المؤسسات الحكومية الناشئة لذا تم تكوين مجلس الحكم الانتقالي لتحمل مسؤولية التحول، وكان من مخرجات ذلك التحول السياسي، إنشاء نظام وظيفي في إطار السلطة التنفيذية قائم على الولاءات السياسية، ومن ثم الاعتماد على توزيع الفرص بدلاً من تكافؤ الفرص.

فالمجتمع العراقي الذي خرج من توجيهات النظام الشمولي للحزب الواحد، واجه نمطاً آخر من الولاءات السياسية أبعدته عن الكفاءة الوظيفية.

إن التحليل الموضوعي لظاهرة الفساد عموماً يقتضي بيان جانبان أساسيان لتلك الظاهرة:

* الجانب الأول:- وهو الجانب الأخلاقي المرتبط بظاهرة الفساد والذي يعتبر معيار ومدى التزام المجتمع بالعادات والتقاليد واحترامها، وضمن هذا الإطار تختفي النظرة إلى العمل بوصفه الحاجة الحيوية الأولى للإنسان بل وتهتز نظرة الناس إلى الإخلاص والأمانة